|
يمكن الاعتقاد بأنه
يتوجب الاستفادة واستخلاص الدروس من المسابقة المعمارية المهمة لمبنى وزارة
الصحة بالرياض وكما اهتمت به مجلة البناء في عددها 165 (مايو 2004) .
المسابقة جرت في بلد يزداد به التنافس لطرح الجديد والمعاصر وأجريت لمبنى
مهم وتمت المشاركة بها من قبل مكاتب هندسية يشهد لتاريخها. بضوء هذه
المعطيات فأتت ما تفرزه المسابقة لن يكون معزولاً عن مجمل الممارسة
المعمارية العربية المعاصرة كحالة متفردة بل يمكن أن يكون ممثلاً عاماً
لمجمل التوجهات التصميمية السائدة في العالم العربي. هذه المحاورة لا
تستهدف تغطية كاملة أو نقداً للمشاريع من الصفحات التي كتبت عنها في المجلة
بل تستهدف استثمار الفقرات القليلة التي طرحت لتأشير وجود اشكالية رئيسة
يعتقد أن الممارسة المعمارية العربية تتسم بها بشكل عام . المناقشة بضوء
ذلك تستهدف تحديد سباق هذه الاشكالية والعلاقات الداخلية بين مكوناتها
ومحاولة تعليلها بغية تعزيز اطار للفهم يرتبط النقد به بعملية التصميم.
بشكل عام أبرز تقديم
مجلة البناء وجود افتراق كبير كان نتيجة طبيعية لنمط التفكير المعماري الذي
تم اعتماده . هذا النمط ركز أقل على الأطر الفكرية التي تحكم العملية
التصميمية بالمقارنة مع الشكل وفي ضمن الأطر الفكرية التي تم اعتمادها ركز
على أنماطاً معينة من الأفكار . الورقة تحاول أن تبين أن الاخفاق في تقديم
الجديد على مستوى الشكل يرتبط بالاخفاق في طرح الجديد على مستوى الفكر التي
يحاول هذا الشكل التعبير عنه .
بضوء ذلك إن سعينا
لطرح الجديد معمارياً لابد وأن يستند على ازاحة العملية التصميمية وبشكل
أوسع باتجاه مجال الفكر وإلى مجال الفكر الذي يحث على المسائلة بشكل
خاص.ستتسلسل الفقرات القادمة من تأشير ما شخصته مجلة البناء من افتراق ثم
تنتقل لتحدد خصائص الأفكار التي اعتمدت وتبين كيف أن هذه الخصائص قد أدت
إلى طرح الجديد ذو المغزى.
تشخيص الافتراق
على الرغم من محاولة
مجلة البناء تقديم الإطراء للمشاريع في المقدمة العامة لها إلا أنها شخصت
مجالات الاخفاق بشكل كبير عند المناقشة التفصيلية.
على المستوى العام
الإطراء تجلى بالقول بأن المقترحات قد استجابت لمحددات الموقع .. وأن كل
مصمم أن يعبر عن رؤيته الخاصة ، حيث قدم بعضهم مباني رصينة وذات هيبة تعبر
عن قيمة الوزارة في نفوس الناس، والبعض الآخر حاول أن يعبر عن فكرة الترحيب
والاحتضان كرسالة تقوم بها الوزارة في المجتمع.. لذلك فقد خرجت المسابقة
تنادي بتطوير مبنى متفاعل مع الموقع ومع حاجة المؤسسة وهو ما نعتقد أنه
يمكن قراءته خلال المشاريع المقدمة جميعاً. على العكس من هذا الاطراء على
المستوى العام فإن المناقشة التفصيلية للمشاريع بينت قصوراً كبيراً بين ما
أريد تحققه من طرح للجديد وبين ماتحقق فعلاً .
ما أريد تحققه حدددته
المجلة بضرورة «أن تستثير السائد من الأفكار وتدفعه إلى مسارات جديدة..
فالبحث عن الجديد الغير مشاهد من قبل، يمثل هدف في حد ذاته.. فأحد الأهداف
التي يمكن أن نراها في مسابقة مبنى وزارة الصحة، هي الصورة الجديدة التي
نتمناها للمباني الحكومية القادمة » . مبنى يعبر فعلاً عن الوزارة
وتطلعاتها المستقبلية وذلك من خلال دفع المشاركين إلى الغوص عميقاً في
رسالة الوزارة.
ما تحقق فعلاً أبرزه
تقديم المجلة بأعمال المشاريع بشكل كبير لاضافة الجديد المتوقع من مسابقة
بهذا المستوى . لقد برز ذلك من التعليق مثلاً حول المشروع الثاني بأن
«الشكل التقليدي يعود بقوة.. لانعلم إذا كان ضرورياً أن يعيد للأذهان أشكال
مجربة سبق وأن رآها الناس كثيراً في عمارتنا المعاصرة .. التصميم يصبح مجرد
إعادة إنتاج للشكل دون أي هدف واضح يعيد للأذهان المباني التي أٍقيمت
بالرياض خلال العقدين الأخيرين التي أصابتنا والذي لايقدم أي جديد يذكر
بالملل والتكرار» نفس الملاحظات بالنسبة للمشرع الرابع حيث القول بأن
المقترح «لايقدم أي شيء جديد فكل ماهناك مجرد حل وظيفي لمبنى إداري.. إن
كان لايقدم صورة جديدة لوزارة مثل وزارة الصحة إذ يمكن أن يكون لأي وزارة
أخرى». بالنسبة للمشروع السادس تركز القول على أن الشكل العام يبدو متكرر
في كثير من المباني المجاورة ولا يقدم أي جديد يمكن أن نقول من خلاله أن
هذا المقترح يقدمه للمكان الذي يقع فيه».
باختصار فإنه في
الوقت الذي أريد به للمشاريع من ناحية أن تستثير السائد من الأفكار وتدفعه
إلى مسارات جديدة . جاءت المشاريع تعيد للأذهان أشكال مجربة سبق وأن رأها
الناس كثيراً في عمارتنا المعاصرة.. (المشروع الثاني) ولايقدم أي شئ جديد
«المشروع الرابع» وإن كان الشكل العام يبدو متكرر ولايقدم أي جديد للمكان
الذي يقع فيه
( المشروع السادس).
بعبارة أخرى المناقشة
بينت أن المشاريع بشكل عام لم تطرح الجديد بما يكفي . هذا النقد كان واضحاً
في مجال الشكل وكذلك بالنسبة للرؤى الفكرية المتوقع أن يعكسها أو يحفرها
هذا الشكل . المقترحات بشكل عام كانت إما مستهلكة من ناحية الشكل وبالتالي
إن ما نريد أن تطرحه فكرياً لم يكن بجديد أو كانت ذات ملامح جديدة على
مستوى الشكل إلا أن هذه الملامح كانت بعيدة عن ايصال رسالة واضحة ناهيك عن
كونها رسالة تحمل مضمون جديد.
التوجهات المعتمدة
لغرض تسليط الضوء على
الإشكالية التي شخصتها مجلة البناء سيتم التركيز على محاورة العلاقة بين
الشكل والمعنى بغية الدخول إلى تفسير ماحدث من إخفاق. في هذا الصدد يمكن
القول بأن المشاريع قد تأرجحت حول توجهين لعلاقة الشكل بالمعنى. المشاريع
كانت تستند إما على علاقة واضحة بين الشكل والمعنى أو على علاقة متراخية
إلى حد كبير.
التوجه الأول كان
يتجه باتجاه التعبير عن مفاهيم فكرية معينة وذلك باستثمار المفردات الشكلية
المتفق عليها اجتماعياً في كونها معبر دقيق عن هذه المفاهيم بضوء ذلك فهو
يلتزم بأن تكون العلاقة بين الفكر والشكل المعتمد للتعبير عنه علاقة مترسخة
اجتماعياً ومتفق عليها قدر الممكن.
التوجه الثاني كان
يتجه أيضاً باتجاه التعبير عن مفاهيم فكرية معينة لكنه ينحنى منحى أكثر
حرية في التقاط المفردات الشكلية التي يراد أن تعبر عن هذه المفاهيم . إنه
لا يتقيد بما ترسخ اجتماعياً حول المفردات الشكلية الواجب اعتمادها في
التعبير عن المفاهيم الفردية. هنا يتوجه المصمم باتجاه قصد التعبير عن
مفاهيم معينة لكنه يستعمل مجالاً أوسع من الأشكال لا ترتبط بهذه المفاهيم
إلا على المستوى العام جداً وذلك الذي ينبثق من تقديراته الشخصية لتأويل
الشكل. ما حدث في المشاريع المقدمة ضمن هذا الإطار يمكن وصفه بالتأرجح بين
اعتماد التوجه الأول الذي إليه التوصيل بدقة لكن مع سوء في التطبيق
( التعبير عن مفاهيم
مستهلكة) أو أنه يعتمد التوجه الثاني يحقق أصلاً بالية التوصيل لأنه يخلق
الرسالة واللغة معاً. في الحالة الأولى تم استثمار أشكال ذات دلالات واضحة
إلا أنها لم تطرح الجديد شكلياً لأن الدلالات المقصودة كانت بحد ذاتها
مستهلكة. في الحالة الثانية العلاقة المتراخية بين الشكل والمعنى دفعت
باتجاه استثمار أشكال معينة والأمل بأن تعكس هذه الأشكال الرسالة التي فكر
بها المصمم، الأشكال التي أعتمدت كان يمكن لها أن تعبر عن ما أراده المصمم
لكنها بنفس الوقت ممكن أن تعبر عن مفاهيم أخرى. هنا وأحدية الدلالةأو تعدد
الدلالة تمتد إلى حالة لانهائية للدلالة. مفهوم الاختلاف بين الدوال أو بين
المدلولات الذي تستند عليه عملية التوصيل يتم تهميشه بشكل كبير. بضوء ذلك
فإن المفردة الشكلية التي يمكن أن يستدل منها عن أي مفهوم فكري معين قد
تستطيع أن تعبر عنه كما تستطيع أن تعبر عن أي مفهوم آخر وبالتالي فإنها
لاتقول شيئاً.
باختصار فإ ما طرح من
إشكال كان إما أن يستطيع أن يرسل رسائل معينة لكنها رسائل بعيدة عن الجديد
المتوقع من مسابقة بهذا المستوى عندما يعتمد علاقة قوية بين الشكل والمعنى
أو أن لا يوصل رسائل محددة بوضوح عندما يعتمد علاقة متراخية بين الأثنين .
عدم طرح الجديد على مستوى الشكل كان نتجية متوقعة بالمسابقة. أشكال
المسابقة إما أخفقت على مستوى بلورة الفكر الجديد المراد التعبير عنه أو
أنها اخفقت في آلية توصيل ما يراد إيصاله من فكرة . النتيجة غياب الجديد
المفهوم على مستوى الشكل.مايهم الآن هو محاولة تشخيص بعض إشكاليات العملية
التصميمية والتي كان ممكناً لها أن تساهم في هذا الاخفاق. الشكل الجديد
لابد من القول أنه ليس أمراً مهماً بحد ذاته إذا لم يستطيع أن يوصل رسالة
جديدة. ضمن هذا السياق يمكن القول بأن عدم طرح الجديد شكلياً يمكن أن يكون
، في حالة تحقق التوصيل، قد نبع من عدم طرح الجديد مفاهيمياً. المشاريع
جميعاً أستقرت على أهمية طرح مفاهيم وأفكار لكن عدم تحقيق الجديد في هذه
المفاهيم والأفكار يبدو أنه قد أنبثق من اعتماد نظرة معينة حول سمات
الأفكار بشكل عام. هذه النظرة التي بلورت بضوئها أفكار المشاريع يبدو أنها
هي ما حد من امكانية أن يتم طرح الجديد. هذه النظرة حول سمات الأفكار يمكن
تلخيصها بأربع سمات رئيسة هي الجزئية، العمومية، التجاورية وأخيراً
التمثيلية. بضوء هذا التفسير ستبين الفقرات القادمة الكيفية التي تحد بها
مثل هذه السمات من امكانية طرح الجديد.
جزئية الأفكار
الأفكار المعتمدة في
الغالب كانت جزئية في تعبيرها عن مفردات الظرف التصميمي، هذه الجزئية حدثت
على مستوى الكل وعلى مستوى الجزء. على مستوى الكل لم تطرح الأفكار التي
يمكن أن تلتقط بنفس الوقت خصوصية الوظيفة وسباق مدينة الرياض والزمن الحاضر
في آن واحد. على مستوى الجزء لم تبلور الأفكار التي يمكن أن تشير إلى مختلف
جوانب الوظيفة ( الوظيفة الإدارية ، العائدية للمستوى الوزاري والعائدية
للصحة) أو مختلف جوانب الموقع ( المجاورات المباشرة، الطريق الرئيس، سياق
مدينة الرياض أو الموروث السعودي بشكل عام).
هذه الجزئية برزت
مثلاً في المشروع الثاني عندما لم يتم التركيز على رسمانية المبنى الوزاري،
في المشرع الرابع عندما تركز التعبير حول المستوى الوزاري مع عدم التركيز
على العائدية للصحة « يمكن أن يكون لأي وزارة أخرى» في المشروع السادس
عندما لم يتم التركيز بكفاية على خصوصية سياق مدينة الرياض بحيث تم القول
بأن المشروع يمكن تنفيذه في أي مكان آخر دون أي تغيير يذكر.لقد بين تقديم
المجلة اهتمام المصممين بالتعبير عن مفردات الظرف التصميمي إلا أنه بين
أيضاً أنه لم تتم بلورة أفكار معينة بحيث تستوعب الظرف التصميمي بشمولية
كافية.
هذه الجزئية بالإطار
الفكري المعتمد في المشاريع ستدفع بإتجاه الابقاء على الانتقائية في رصد
الظرف التصميمي. الانتقائية بشكل عام تدفع بإتجاه المباشرية والظاهرية
لأنها لاتفسح مجالاً للتحدي لبلورة مفهوم جديد يستطيع أن يعبر عن جانبين
مختلفين أو أكثر من جوانب الظرف التصميمي. الجزئية تدفع بإتجاه عدم التعمق
بالظرف التصميمي بشمويته ومحاولة ايجاد القواسم المشتركة بين مفرداته والتي
يمكن التعبير عنها من خلال مفهوم واحد محدد. هذا المفهوم الواحد يكون أصلاً
جديداً بحكم خصوصية التركيبة التي اجتمعت بها هذه المفردات. إذا أخذت كل من
هذه المفردات على حدة فيسهل التعبير لأنها بمفردها تكون متوفرة بسياقات
سابقة عادة وإن التعبير عنها سيجلب صيغ التعبير السابقة وبالتالي يكون
بعيداً عن الجديد المتوقع. جزئيات المفردات تكون موجودة في الغالب في أكثر
من سياق تصميمي لكن حصيلتها مع بعض تكون منفردة بكل طرف عن آخر.
أن يكون الهدف هو
التعبير عن كون المبنى إدارياً أمر لايوصل إلى الجديد لأن هناك الكثير من
المباني الإدارية وبالتالي يمكن استثمار ما أعتمد في التعبير عن إدارية
المبنى في السابق ليتم الانتهاء بالتكرار. بنفس الوقت اذا اهتم بالتعبير عن
عائدية المبنى للمستوى الوزاري يمكن أن تستثمر الأشكال في المباني الوزارية
سابقاً وبالتالي لايظهر الجدي. أخيراً إذا تم الاهتمام بالرياض فهناك
الكثير من المباني التي تعبر عن خصوصية الرياض وإذا أعتمدت نتج الشكل
المتداول. ما يمكن أن يضمن الطرح الجديد هو محاولة التعبير عن كل هذه
المفردات مع بعض وبنفس الوقت. التركيبة الخاصة من هذه المفردات هي الشيئ
الجديد الغير مسبوق وبالتالي التعبير عن الموقف نحوها سيوفر امكانية
لاستخلاص مفهوم جديد تفشل جميع الأشكال السابقة في التعبير عنه.هذا
الشمولية هي ما تضمن طرح الجديد على مستوى الفكر ، وبالتالي تضمن طرح
الجديد على مستوى الشكل.
عمومية الأفكار
عمومية الأفكار تبرز
من تقديم المجلة في أغلب المشاريع. الأفكار المعتمدة كانت عامة في أغلب
الأحيان وبحكم هذه العمومية كانت متداولة ومستهلكة مما أنتج أشكالاً بنفس
الطبيعة . المشروع الأول مثلاً تركز على مفهوم الرسمانية العام الملائم
للمباني الوزارية ومفهوم الحديث والقديم العام أيضاً بطبيعته. المشروع
الرابع تركز على فكرة الحماية بعموميتها. المشروع الخامس من ناحيته تركز
على فكرة الاحتضان والواضحة عموميتها.المشكلة في عمومية الأفكار تبرز على
مستويين : مستوى الفكر ومستوى الشكل.
على مستوى الفكر فإن
الأفكار العامة متداولة ومستهلكة بالإضافة إلى كونها تعبر عن نظرة مباشرة
للظرف التصميمي. ضمن هذا الاطار فإن هدف التعبير عن هذه الأفكار بحد ذاته
لايكون هدفاً كبيراً يحفز الابداع. عدم التحفيز للابداع ينتج من أن الشكل
المعماري هو وسيلة وليس هدفاً بحد ذاته: أنه وسيلة مدركة للتعبير عن مفهوم
يصعب ادراكه بالوسائل الأخرى. الشكل هنا يراد له أن يوصل أفكاراً لايمكن
ادراكها بدونه لكن إذا كانت هذه الأفكار متداولة وبالتالي مدركة مسبقاً
فلايوجد مبرر كبير لبلورة الشكل.
على مستوى الشكل فإن
الأفكار العامة بشكل عام يمكن ايصالها من خلال وجود المراجع الشكلية
المرتبطة بها فقط دونما حاجة لمعالجة متخصصة لهذه المراجع. كلما زادت
الفكرة في عموميتها وتوفر مرجع شكلي مرتبط بها كلما كان استحضار المرجع
بكليته وحرفيته كافياً للتعبير عنها دونما حاجة لفعل ابداعي في التعامل مع
هذا المرجع. على العكس من ذلك في حالة الأفكار المتخصصة والنابعة من جوهر
الظرف التصميمي ومن محاولة استثمارها للتعبير عن أكثر من مفردة من مفردات
الظرف التصميمي، فإن وجود المراجع المرتبطة بها وبشكل كامل وحرفي لن يكون
كافياً للتعبير.
الأفكار المتخصصة
ستتطلب التركيز على جوانت منتخبة من المرجع دون أخرى لاظهار الجانب التخصصي
في الشكل والمرتبط بالجانب الخاص بالمفهوم. هذا التركيز على جانب محدد من
المرجع وعلى معالجة خاصة سيتيح الوصول إلى أشكال جديدة منبثقة من المراجع
السابقة وليست منتهية بها. اضافة إلى هذه الحالة في أحيان كثيرة لايمكن
استثمار أي مرجع سابق للتعبير عن فكرة متخصصة حتى بإجراء معالجة ما عليه.
مثل هذه الأفكار لاترتبط بمرجع محدد وحسب ولكنها تظهر من خلال فضاء التوتر
الذي يمكن خلقه بالتقابل بين المراجع. هنا لايكفي المرجع الواحد للتعبير
وتبرز الحاجة لأكثر من مرجع. هنا وبضوء حالة التقابل بين هذه المراجع
المستخدمة سيتم التركيز على جوانب المراجع التي تستثير حالة التقابل. بذلك
فإن مايظهر في الشكل ليس التكرار المستهلك بل التشكيل الجديد الذي لم يبرز
سابقاً أبداً.
وجود المرجع يعكس
المفهوم العام الشائع المتداول المتكرر . على العكس من ذلك الطريقة التي
يتم التعامل بها وعلاقته مع المراجع الأخرى تعكس الجانب المحدد الخاص من
المفهوم والذي سيمثل الرسالة الخاصة، الأشكال هنا تتراكب بنفس الطريقة التي
تتراكب بها الأفكار. التصميم يتم النظر له هنا ليس كتركيب من الأشكال بل
كتركيب من الأفكار تستحضر الأشكال للتعبير عنها.
تراكمية الأفكار
إن الاتجاه العام
للمشاريع باستثناء المشروع الأول هو أنه إن لم تكن بعض مفردات الظرف
التصميمي مهمة من ناحية التعبير فإن الأفكار تكون تراكمية تجاورية.
الإتجاه العام البارز
من المشاريع هو أنه بعد أن يلتقط جانب معين من الظرف التصميمي ( الرسمانية
أو العائدية للصحة أو سباق مدينة الرياض) يتم الانتقال مباشرة لاستحضار
المرجع الشكلي للتعبير عنه ليتم جمعه بعد ذلك مع مرجع شكلي آخر للتعبير عن
مفردة أخرى. عند النظر بصورة تراكمية لمجموع مايراد التعبير عنه يمكن أن
يقصد به تراكمية وتجميعية الأفكار. الاطار الفكري للمشروع هنا هو مجموعة من
الأفكار يتم التعبير عن كل منها على حدة ثم تجمع التعبيرات مع بعض.
الاستثناء الواضح هنا هو ماحدث في المشروع الأول عندما تم استثمار الصلادة
للتعبير عن الرسمانيةكمؤشر عن خصوصية الوظيفة كمبنى وزاري وبنفس الوقت
استثمرت للتعبير عن القديم بمرادفة الحديث الشفاف للتعبير عن سياق مدينة
الرياض الذي يتجمع به القديم الجديد. الاطار الفكري هنا لايكون مفهوماً
واحداً موحداً يستثمر للتعبير عن أكثر من مفردة من مفردات الظرف التصميمي
بدرجات متباينة من الارتباط والتجريد. الأفكار تجمع أفقياً أولا ولاتختصر
عمودياً .
عندما ينزاح التفكير
بعيداً عن الجوهر يتم التركيز على تراكم الأفكار ككل مجمع دون هيكلية محددة
لتجميعها مع بعض وعلاقاتها مع بعض مما يتم الاندفاع باتجاه تراكم المراجع
دونما اهتمام للكيفية الخاصة التي يتم بها التجميع. التجميع يصبح بضوء ذلك
أولاً ذا طبيعة عامة متكررة شائعة وثانياً يوصل الرسالة التي يقصدها المصمم
بنفس الكفاءة لجميع الرسائل الأخرى التي ممكن أن تعكسها هذه المراجع.
الأفكار المتخصصة
التي تقع وسطياً على سلم التجريد ستكون البودقة التي تنصهر بها كل المفردات
المتنوعة والمتباعدة للظرف التصميمي. الابداع يعود بعد ذلك في كون هذه
الأفكار المتخصصة هي تعبير عن مايتم كشفه من تشابهات بين المختلفات. رسالة
المشروع ستكون مفهوماً جديداً تم بلورته كتعبير عن رسالة الوظيفة الخاصة
اضافة إلى رسالة المكان.
يتمثل العمل الابداعي
بالقدرة على تحقيق أكبر كم من الأهداف بأقل قدر من الشكل . العمل المعماري
لأن يدخل مجال الابداع لابد وأن يحقق هذه الثنائية من التباين بين كمية
الأهداف وكمية الوسائل . العمل المعماري ضمن هذا الاتجاه يفترق عن العمل
الهندسي بشكل عام عندما لايعطي نفس الاهتمام للاختصار الشكلي مع التوسع
بالأهداف المراد تحققها. بنفس الوقت العمل المعماري يفترق عن العمل الفني
البحت عندما يحاول أن يستثمر الشكل ليس للتعبير عن الأهداف التعبيرية وحسب
بل أن يستثمر الشكل نفسه للاستجابة للمتطلبات الوظيفية والموقعية
والتنفيذية وغيرها.الشكل الذي سيتصدى لمثل هذه الأفكار لن يكون مكرراً بل
سيكون الإطار المختصر الذي يمكنه أن يعبر عن أكبر مدى من الأفكار وعن طريقة
ارتباطها بمجالات انبثاقها.
تمثيلية الأفكار
الأفكار التي تم
اعتمادها في المشاريع وإن خصت أجزاء من الظرف التصميمي كانت في الغالب
محايدة ساكنة وصفية لهذا الظرف. إنها تحاول أن تعتمد ماتجد أمامها وتمثله
إلى درجة يصعب التمييز بينها وبين ما مثلته. إنها ليست موقفاً أو رؤية عن
ما يوجد أمامها وبالتالي فهي ليست حوارية تساؤل التفكير السائد وتكشف
تجليات الحالة العامة بالظرف الخاص.هذه الحالة الوصفية لاتلتقط ما تركز
عليه توجهات الإبداع بشكل عام . الأفكار في مجال الإبداع حوارية جدلية
وليست اعتمادية تمثيلية ، تساؤل التفكير السائد والتالي ممكن أن تنتج
الجديد.
بعد تحديد الأفكار
بهذه الصورة لبعض جوانب الطرق التصميمي يتم جمعه كوصوفات محايدة والتعبير
عنها بجمع المراجع المرتبطة بكل منها . بعبارة أخرى الأفكار كانت تلتقط جزء
من الظرف التصميمي وتجمده ثم يتم التعبير عنه : للتعبير عن مدينة الرياض
مثلاً يعتمد النمط التقليدي للعمارة ، للتعبير عن عائدية المبنى الإداري
للوزارة تعتمد رسمانية التشكيل، للتعبير عن عائدية المبنى للصحة تعتمد فكرة
الاحتواء والاحتضان، للتعبير عن تراحم القديم والجديد يعتمد المصمت والشفاف
وهكذا. في كل هذه الحالات جاءت التصاميم كتلخيص شكلي غير مباشر عن الظرف
التصميمي مع عدم طرح رؤية أو موقف عن كل من مفرداته. الشكل المعماري كوسيلة
للتعبير عن الظرف التصميمي والفكر الذي بلور بصدده يستهدف الاقناع بهذا
الفكر أو الموقف. بالتالي فإن الشكل يمكن أن ينظر له كوسيلة محاجة وليس
كعدسة كاميرا. ضمن هذا الفهم لابد للأفكار أن تشكل رؤى ومواقف جديدة تختصر
من ناحية جوهر الظرف التصميمي وتؤشر من ناحية أخرى لرؤية معمارية لحل
الإشكاليات الكامنة تحت هذا الجوهر. هذا الموقف سيلعب دوره الاجتماعي في
سياقات أخرى لأن هذه الإشكاليات تكون بطبيعتها قابلة للتجلي في أكثر من
سياق وأن الظرف قيد التصميم هو أحدها وحسب. الأفكار في العمل الابداعي ليست
رؤية معزولة عن واقع الظرف التصميمي وليست أيضاً تمثيل مباشر لهذا الواقع
بقدر ماهي رؤية وموقف شخصي عن ما يتسم به هذا الواقع.
ما كان ضرورياً هو
طرح موقف عن فاعلية اعتماد الانماط التقليدية في عمارة المستقبل بدلاً من
اعتمادها وحسب دونما اضافة للتفكير الذي ينشغل به المجتمع حالياً حول
التعامل مع الموروث . ما كان مطلوباً هو بلورة موقف عن أهمية رسمانية
المبنى الوزاري في ظل التطور الاجتماعي أو التكنولوجي السائد مثلاً، ما كان
ضرورياً هو أن تتم مسائلة فكرة الصحة ومسئولية المجتمع بصددها بدلاً من
القول فقط أن الوزارة تحتضن الصحة. بغياب أفكاراً ضمن هذا الإطار تكون
الأشكال ميتة ساكنة عندما ينتقل إلى التعبير. المراجع السابقة يتم البدء
بها والإنتهاء بها أيضاً لأن مايراد أن يقال كامن فيها ونابع منها. لاتتوفر
فرصة لخلق الشكل الجديد المنبثق من المراجع السابقة والتغير منتهي بها
وإنما منتهي بالجوانب التي عولجت منها أو أضيفت أو حذفت فيه بضوء المواقف
الذي تمت بلورته نحو مفردة الظرف التصميمي الذي جئ به للتعبير عنها.
الأشكال تبقى ساكنة كلية حرفية متداولة لأن وجودها فقط هو ما أريد من جلبها
وليس التركيبة الخاصة من مفردات الشكل التي تثير وتلفت الأنظار إلى الموقف
حولها. |