مجـلــة البـنـــاء

 

 
 

الافتتاحية

العمارة والإبداع الإنشائي

طالما تحدثنا في مجلة البناء عن دور العمارة في تطوير التقنية وتأثيرها في الابداع المعماري، فقد كنا نرى أن مشكلة العمارة العربية المعاصرة هي افتقارها للتقنية المحلية المبدعة. في هذا العدد نسلط الضوء على واحدة من أهم وأعرق دور التصميم الإنشائي في العالم ، وهي شركة أوف آراب الإنجليزية،والتي تأسست في الخمسينيات من القرن الماضي، ولفتت لها الإنتباه عندما شاركت في حل المشاكل الإنشائية التي كان يعاني منها أوبرا سيدني. هذا المشروع الذي أمتد تنفيذه 16 عاماً (1957 ـ 1973م) ، وأحدث تغييراً معمارياً كبيراً، وكان له تأثيره على التعليم المعماري والمدارس المعمارية في الغرب، فلقد أظهرت تجربة الأوبرا أهمية المصمم الإنشائي، والقصور الواضح في الإنتاج المعماري نتيجة إغفاله للرؤية الإنشائية. لذلك فإن اختيارنا لاستعراض مشاريع هذه الشركة كوننا نشعر باهمال المعماري العربي التعامل مع التصميم الإنشائي لخدمة الإبداع المعماري ، وإعتقادنا بأن هذا الجانب المهمل هو أحد أهم أسباب إخفاق العمارة العربية في الوصول إلى العالمية ، يضاف إلى ذلك عدم تهيئة السوق المحلية لتطوير تقنية تتناسب مع العصر وافتقار العالم العربي بشكل عام للمبادرة الصناعية. كذلك إهمال كليات العمارة مناقشة دور الإنشاء في العمل المعماري ، والتقليل من أهميته ربما لمجاراة المدارس المعمارية العالمية الحالية،التي لم تعد بحاجة إلى طرح الموضوع الإنشائي ومناقشته ، لأنها كانت قبل ذلك قد ناقشت ورسخت مفاهيمه وأسست قواعده مهنياً ، بحيث بات من البديهيات التي لا تطرح على الساحة إلا في كتب التاريخ.

فنحن نرى أن مؤسسات التعليم المعماري لدينا الركيزة الأولى لتطوير الممارسة المهنية ـ ونتيجة لحداثة معظمها ـ صارت تنقل من النظريات المعمارية المعروفة على الساحة العالمية الحالية ،وأغفلت إعادة طرح الكثير من المسلمات التي تفتفر إليها المهنة محلياً والتي كان يجب ترسيخها وتأسيس قواعد العمل بها. و كانت النتيجة أولاً عدم الوضوح في تطبيق نظريات المدارس المعمارية المعاصرة ، وثانياً تهميش العلاقة بين المعماري والمهندس الإنشائي، وانعدام الحوار التصميمي بينهماوبين صناعة البناء ،وسلب المنتج المعماري الجرأة في التخيل المعماري وعقلانية الإنشاء والتوازن المطلوب بينهما . كما أفرغت الإبداع المعماري من أهم مضامينه ألا وهو الإبداع الإنشائي.. وهو ما يؤكد على أهميته (أوف اراب) المهندس المؤسس للشركة التي حملت أسمه والذي يرى ضرورة وجود علاقة قوية بين المعماري والإنشائي لنجاح العمل التصميمي منذ المراحل الأولى للتصاميم.

بالتأكيد فإن ذلك أدى إلى طبع صورة خاطئة وقاصرة لدى أصحاب المشاريع بشكل خاص والمجتمع بشكل عام لدور كل من المعماري والإنشائي المحلي ، بحيث اقتصر ما يمكن أن يتوقعه أصحاب المشاريع من المعماري المحلي على تقديم حلول عملية وزخرفية فقط وتطبيق بعض المعايير والقياسات النمطية في المشاريع ، كما حدت من دور الإنشائي المحلي بحيث أقتصر على إجراء بعض العمليات الحسابية. إن افتقار المكاتب المعمارية المحلية لهذا الجزء الأساسي من ضروريات التصميم هو أحد العوامل الهامة التي جعلت أصحاب المشاريع الكبرى يتوجهون إلى المكاتب العالمية للحصول على عمارة إبداعية تليق بحجم وأهمية مشروعاتهم.

 

رئيس التحرير

 
مجـلــة البـنـــاء