قراءة: د. مشاري بن عبد الله النعيم ، م. طارق عبد
الفتاح
البحث عن عمارة تعبر
عن الحضور الرسمي لمؤسسات الدولة مسألة يمكن أن يطول فيها الحديث إذ يبدو
أن تعريف العمارة الرسمية كمصطلح قد لايروق للبعض أو ربما لايتفق على
تعريفه الكل.. ومع ذلك فنحن نرى أن خصائص هذه العمارة يمكن أن تعيدنا
لتعريف العمارة ذاتها وفي إطارها الذي طرحه (فتروفيوس) قبل ألفي عام عندما
ذكر أن العمارة يجب أن تعبر عن «المتانة، والبهجة والوظيفة» Firmness,
Delight and Commodity هــذه الخصائص الثلاث يمكن أن تفسر «العمارة
الرسمية» بشكل كبير وهوتفسير تاريخي ميز كل العمائر الرسمية عبر الزمن،
وصنع لها شخصية لايمكن أن تخطئها العين خصوصاً مع وجود قواعد جمالية
كلاسيكية كانت تتبع بدقة. على أننا نستطيع أن نزيد عليها «الرمزية» كخاصية
مهمة جداً يجب أن تكون مرتبطة بهذه العمارة .. خصوصاً في الوقت الراهن ، مع
التدافع الكبير في حركة العمران وتداخل الصور البصرية في المدينة. فمبنى
مثل وزارة المياه والكهرباء يجب أن يعكس خصوصية هذه الوزارة ، وحضورها
الرسمي ، على أن أحد الأسئلة التي يمكن أن نفكر فيها هي كيف يمكن أن يعبر
مبنى وزارة المياه عن الوزارة وليس أي وزارة أخرى. فمثلاً قبل فترة
استعرضنا مسابقة وزارة الصحة.. ونحن هنا نحاول أن نفهم الفرق بين هذه
المسابقة وتلك ، فهل هناك فروق جوهرية ؟ أم أن المبنى الذي يصلح لوزارة
الصحة ممكن أن يكون مقبولاً لوزارة المياه.. الحقيقة أن هذا السؤال المؤرق
لم نجد له إجابة واضحة أو لم نجد إجابة مناسبة لأن الفروق طفيفة جداً بين
هذا المبنى وذاك وكل ما هناك اختلافات غير محسوسة في البرنامج الوظيفي
والموقع أكثر من وجود فروقات جوهرية يمكن أن تخولنا أن نقول أن مبنى وزارة
الصحة يختلف عن مبنى وزارة المياه. وفي إعتقادنا أن هذا التكرار أو هذا
التشابه في «العمارة الرسمية» نابع من كون الهدف الرمزي غير واضح بما فيه
الكفاية .. والتركيز غالباً ماينصب على الوظيفة والعناصر الثلاثة التي
ذكرها «فتروفيوس» وهي عناصر قد لاتحدث عمارة ذات شخصية وإن كانت صالحة كي
تصنع عمارة جميلة. ولأن الهدف الرمزي أصلاً مصدر للخلاف وقد لايجده البعض
مهماً لذلك فإن بحثنا هنا عن تلك الخصوصية المفقودة في «العمارة الرسمية»
قد يكون بحثاً يمثل هماً خاصاً لايتقاطع معنا فيه الكثيرون. كما أن المسألة
الرمزية في العمارة تتطلب فهماً عميقاً للمؤسسة المراد التصميم لها ودرجة
عالية من الثقافة المعمارية التي قد لانجدها بوضوح في سوق معمارية مغرقة في
«النظرة التجارية» للتصميم وفي ظل غياب مناخ فكري نقدي يجعل من الثقافة
المعمارية متجذرة في أذهان الممارسين للعمارة. هذه المسابقة التي نظمتها
الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض لبناء مسابقة وزارة المياه والكهرباء
على أرض تقع على الطريق الدائري الشرقي وهو موقع مهم نعتقد أن أي مبنى فيه
يجب أن يمثل اضافة لهذا الجزء من مدينة الرياض وببرنامج وظيفي تبلغ مساحته
الإجمالية 37.528 م2 تقدم لها سبعة مكاتب محلية هي : مكتب الخدمات
الاستشارية السعودي ( سعود كونسلت ) ، ومكتب العطيشان مهندسون استشاريون،
ومكتب إعمار للاستشارات العمرانية،ومكتب المهندس عبد الإله المهنا
للاستشارات الهندسية ( وتقدم بمقترحين) ، ومكتب دلتا مهندسون استشاريون
ومكتب غازي الحميد ومكتب محمد حامد هرساني. وهي مكاتب محلية لها خبرة طويلة
في العمل المعماري. وقد أتاحت هيئة التحكيم لكل متسابق الفرصة كي يشرح
مشروعه لمدة نصف ساعة. وهو توجه حميد إذ أنه يبني نوع من التفاعل بين
المعماري ومحكمي المشاريع ويقرب وجهات النظر للوصول إلى المقترحات
المناسبة.. والذي يظهر لنا أن هذا التفاعل يمكن أن يؤتي أكله في المستقبل
عندما تتطور معايير أكثر وضوحاً للمسابقة والأهداف الرمزية المرتبطة
بالمبنى. وأخيراً أستقر قرار الهيئة على إعطاء المقترح الذي تقدم به مكتب
إعمار بالتعاون مع مكتب ASIP الجائزة الأولى ومكتب غازي الحميد الجائزة
الثانية وعبد الإله المهنا الجائزة الثالثة. وبصرف النظر عن قرار هيئة
التحكيم نرى أن المشاريع المقدمة جميعاً لاترقى أبداً كي تكون مشاريع تمثل
اضافة جديدة لمدينة الرياض التي صارت تكتظ بالعديد من المباني التي تفتقر
للقيمة الفنية العالية وتحولت إلى كتل متراكمة من المباني التي لاتقدم
الشيئ الكثير لفضاء المدينة. ورغم أننا هنا نعبر عن رأينا الشخصي ، أو
أمنياتنا الشخصية إلا أننا كذلك يجب أن نقدر الجهد الذي بذله المتسابقون
خصوصاً المشاريع الفائزة، كون هذه المشاريع فيها محاولة جادة للخروج عن
النمطية والتكرار ويستحقون التقدير ولعلنا هنا نطالب هذه المشاريع أو
المسابقة بشيء يفوق طاقتها .. على أننا وكما ذكرنا سابقاً هي أمنيات نتطلع
إليها ونرى أنه بمقدورنا تحقيقها إذا كانت الأهداف واضحة في أذهاننا.. فكل
مشروع يمثل فرصة غير متكررة يجب أن تستثمر ، وهو مايدفعنا دائماً كي نكون
متشددين فيما يقدم للمدينة وفضاءها المعماري الذي يتطلع لبعض التميز. و
الذي يبدو جلياً هو أن المستوى العام للمشاريع المتقدمة متوسط بشكل عام
الأمر الذي جعل هيئة التحكيم تستقر على أفضل المشاريع المتقدمة، وهو ما
يدعونا إلى القول أننا بحاجة إلى مراجعة عامة لأسلوب المسابقات المعمارية
وتطوير عملية التحكيم وخلق جو من التنافس الذي يدفع بالمعماريين المتميزين
للمشاركة في مثل هذه المسابقات.