مجـلــة البـنـــاء

 

 
   

تتابع بصري وتناغم فراغي

دراسة لبعض الطرق الرئيسية في المدينة المنورة

من تقرير أعده مكتب الدكتور أحمد فريد مصطفى

 

يتكون الانطباع الأول عن أي مدينة من خلال التجوال في طرقها وشوارعها حيث تمثل هذه الطرق مرآة المدينة التي تنعكس على سطحها جوانب الحياة المختلفة ومدى التطور الحضري الذي تشهده المدينة، بل إن الصورة الذهنية المتكونة من خلال الدراسات البصرية للمدن أصبحت أحد أهم المعايير في الترتيب الحضري للمدن عالمياً، وأًصبحت تلك الصورة الذهنية أحدى مفردات السلوك الإجتماعي لدى قاطني المدن.

والمدينة المنورة بوصفها أهم إحدى ثاني مدينة دينية في العالم الإسلامي احتضنت البناء الأول للصرح الإسلامي العظيم، وتكوين الأمة الراشدة، فهي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبها المسجد النبوي الشريف، وعلى أرضها تقع شواهد من تاريخ الإسلام تحكي عن عظمته على مر العصور، كل ذلك جعل من المدينة المنورة طبيعة خاصة على المستوى التاريخي والديني والثقافي.وعلى اعتبار أن محاور الحركة - خاصة الرئيسة منها- هي مرآة المدينة وهي المنوط بها أن تعكس مظاهر تلك الخصوصية التاريخية والبيئية والثقافية للمدينة المنورة فكان من الأهمية بمكان عمل دراسة بصرية متخصصة لمحاور الحركة الرئيسة بالمدينة المنورة.

الهدف من الدراسة

بالتأكيد أنه لا توجد متعة بصرية دون أن يكون هناك تناغم فراغي.. وربما يكون أول الأهداف التي تبحث عنها الدراسة هو «التتابع البصري». فمن هذا التتابع تتشكل المتعة ويتكون الحافز لاكتشافها،هذه الدراسة هدفت إلى الارتقاء بمستوى الصورة الجمالية وتحقيق مستوى أعلى إيجابية للإدراك البصري على محاور الحركة الرئىسة بالمدينة المنورة، من خلال التناسق والتناغم بين عناصر الفرش المعماري على الطرق، وتعديل ومعالجة واجهات المباني بما يلائم النمط والطراز المعماري الأصيل للمدينة المنورة ذات الطابع التاريخي والإسلامي المميز، وهو ما يؤدي إلى تكوين منظومة متجانسة للحركة الآلية وحركة المشاة.

محاور الحركة المستهدفة بالدراسة

قراءة فضاء الحركة لمدينة تاريخية مثل المدينة المنورة ليس بالأمر السهل ويتطلب إعادة التدقيق في العديد من الطرق القائمة، وكذلك يمكن إيجاد روابط، سواء داخل كل منها أو فيما بينها، لأن الهدف هنا هو كيف يمكن أن تحول المدينة إلى فضاء حضري مترابط، لذلك فقد تناولت الدراسة خمسة عشر محوراً منها عشرة محاور تمت دراستها بشكل تفصيلي وهي : طريق المطار، طريق خالد بن الوليد، طريق عثمان بن عفان، طريق الجامعات ، طريق قباء ، طريق عمر بن الخطاب، طريق الأمير عبدالمجيد، طريق الهجرة، طريق الأمير عبدالله، طريق علي بن أبي طالب، وكذلك خمسة محاور تمت دراستها بشكل عام وهي طريق الملك عبد العزيز، طريق أبو بكر الصديق، طريق الأمير عبد المحسن، طريق عمر بن عبد العزيز، وطريق سيد الشهداء.

وسوف نتحدث هنا عن بعض الطرق بشكل سريع. فمثلاً طريق الجامعات يعتبر من الطرق المهمة في بالمدينة المنورة، ويسمى كذلك طريق غير المسلمين يفصل بين منطقة الحرم وبين المنطقة المسموح لغير المسلمين بدخولها.. واشتملت الدراسة فيه على تقاطعه مع طريق خالد بن الوليد في الجنوب حتي مخطط الزهرة شمالاً وذلك بطول 52650 متراً .. المحاولة هنا ركزت علي تطوير التقاطعات وإيجاد نقاط ارتكاز بصري تعمل كنقاط جذب، بالإضافة إلي دراسة إعادة تأثيث الطريق بشكل يؤكد فكرة التتابع البصري ويضيف نوعاً من التناغم الفراغي للطريق .. أما طريق الأمير عبدالله (الطريق الدائري الثاني) .. طريق حيوي ، كونه يسهل عملية الدخول والخروج للوسط. لذلك فإن الدراسة تبدأ عند تقاطعه مع طريق الهجرة في الجنوب من نقطة تلاقيه مع طريق أبو بكر الصديق.وبطول 6900 متر.

تميزت الفكرة المقترحة للطريق بإضافة عناصر بصرية يمكن مشاهدتها عن بعد مثل برج الساعة، بالإضافة إلى إعادة صيانة بعض جوانب الطريق بصورة تؤكد كونه ناقلاً من وإلى المنطقة المركزية ومسجد الرسول.. كما أن طريق الأمير عبد المجيد يكتسب أهميته من كونه يربط أكثر طرق المدينة المنورة ببعضها حيث يعتبر الحلقة الدائرية المتوسطة .. لذلك فقد ركزت الدراسة على كثيرمن التفاصيل البصرية التي يمكن أن تثري طريقاً حيوياً مثل هذا الطريق.. بينما ركزت الدراسة في طريق المطار على تطوير ميادين عند تقاطعات الطريق مع الطرق الأخرى الأمر الذي سيؤدي إلى إيجاد تنوع بصري ممتع .

وبشكل عام نستطيع أن نقول إن الدراسة تطرقت إلى البحث في كيفية إعادة الصيانة البصرية والفراغية لقطري المدينة.



طريق الهجرة

يعتبر طريق الهجرة من أهم الطرق الحيوية بالمدينة المنورة، حيث مدخل المدينة المنورة من الناحية الغربية من ناحية مكة المكرمة، والمنطقة محل الدراسة تبدأ عند تقاطعه مع طريق الجامعات في الجنوب الغربي، وطريق محمد بن زبالة في الشرق، ويطل عليه من ناحية الشمال حي ذي الحليفة، بينما يطل عليه من ناحية الجنوب أحياء أبو بريقاء والقصوة، وذلك بطول 3800 متر تقريباً ويصل عرض المحور في هذه المنطقة إلى حوالي 80 متر تقريباً.

لقد أظهر التحليل العام لمحور الهجرة وجود عدة مشكلات بصرية تؤثر بوضوح في تكوين الصورة الذهنية المتخيلة للمحور،كما أظهر التحليل العام كذلك بعض الإمكانات الموضوعية والمتاحة التي يمكن استغلالها بما يساهم في تحسين الصورة البصرية للمحور، وتكوين صورة ذهنية إيجابية للراجل والراكب على طول المحور.وفيما يلي أمثلة لبعض هذه المشكلات وبعض اقتراحات حلولها:

ـ عدم وجود مناطق مميزة بصرياً. لذلك يفتقر الطريق الذي يمثل مدخل المدينة المنورة من ناحية مكة لوجود علامات مميزة بصرياً تساعد على تقوية الصورة البصرية للمحور مثل وجود مسجد كبير ذي واجهة مميزة يعتبر علامة بصرية قوية على المحور.

ـ وجود بعض المناطق العشوائية والمتداعية عمرانياً تطل بواجهاتها على الطريق تمثل بؤرة ونقاط ضعف وتلوثاً بصرياً تضعف التشكيل العمراني له، وتشوه واجهة الطريق، وتسبب تشويشاً للتشكيل ا لعمراني

الرتابة البصرية وعدم التمييز.

ـ الإحساس بالرتابة والتكرار الممل عند الحركة على الطريق نتيجة لعدم وجود عناصر هامة أو مميزة أو وجود تباين متجانس للمناطق بامتداد الطريق لكسر ذلك الإحساس، فيمكن استغلال الجزيرة الفاصلة بين طريق الخدمة والطريق الرئيس في تصميم عناصر مميزة توزع بامتدادات تلك الجزيرة لإعطاء روح وحركة وتباين يساعد في جعل الطريق شيقاً غير ممل، ويمكن إدراكه، والتعرف على أجزائه الرئيسة.

ـ وجود أرض فضاء كبيرة منخفضة المنسوب عن الطريق تمثل إمكانية كبيرة يمكن استغلالها في توطين استعمالات وأنشطة كمناطق تجمع رئاسة للمشاة وتصميم المباني كعلامات مميزة بصرياً لإعطاء قوة، وتميز بصري علي الطريق.

ـ كما يوجد العديد من مناطق الورش والمناطق الصناعية منتشرة على الطريق،ويعيب هذه الورش سوء واجهاتها الخارجية المطلة علي الطريق وضعفها، مما يؤثر على الصورة البصرية للطريق.



طريق قباء

يعتبر طريق قباء بالمدينة المنورة ذا أهمية خاصة، فهو يعتبر من أقدم الطرق بها ويتركز به معظم الأنشطة التجارية، وأيضاِ له أهمية دينية كبيرة حيث يقع المسجد النبوي الشريف في أوله من ناحية الشمال، ويقع مسجد قباء في طرفه الآخر من ناحية الجنوب. والمنطقة محل الدراسة تبدأ عند تقاطعه مع الطريق الدائري الأول في الشمال حتى قصر الأمير سلطان جنوباً، حيث يطل عليه من ناحية الشرق حي الجمعة وحي الخاتم،ويطل عليه من ناحية الغرب حي المغيسلة وحي الدويمة وحي العصبة، وذلك بطول 2850 متراً. ويبلغ متوسط عرض المحور في المنطقة التجارية حوالي 15 متراً في اتجاهين وباقي الطريق يتراوح بين 22 متراً إلى 40 متراً.

من خلال التحليل العام لمحور قباء تبين وجود عدة مشاكل بصرية تؤثر بشكل واضح على التكوين البصري للمحور وأماكن حصر هذه المشكلات البصرية في الآتي:

المشكلة البصرية الأولى: ضيق زاوية رؤية مسجد قباء. وهذه المشكلة تتمثل في وجود حديقة كثيفة الأشجار في نهاية طريق قباء أمام المسجد،وهي تحجب رؤيته كاملاً علاوة على أنها تعتبر رؤية تجمع للمشاة وسط تقاطعات الطرق.

المشكلة البصرية الثانية: الطريق الدائري الأوسط يخترق طريق قباء عند مسجد الجمعة وذلك طبقاً للتخطيط المعتمد، مما يستلزم إعادة دراسة المنطقة بصرياًِ في الوضع الجديد. هذا بالإضافة إلى منطقة النخيل المقابلة للمسجد من الجهة الآخرى التي ينخفض منسوبها عن منسوب الشارع، مما يعرض المارة للخطر ويتطلب معالجات خاصة.

المشكلة البصرية الثالثة: أثر هام ذو قيمة كبيرة غير مرئي هناك ألا وهو قلعة قباء الآِثرية وهي تعتبر من المعالم الأثرية بالمدينة المنورة لكنها غير مرئية نظراً لبناء محطة تموين سيارات أمامها على الطريق مما جعل من الصعوبة رؤيتها والإحساس بها على الرغم من أهميتها البصرية.

المشكلة البصرية الرابعة: خلفية العناصر المعمارية الهامة وهي وجود مسجد القين ذي المآذن المرتفعة لكن خلفيتها عمارة سكنية تعلوها في الارتفاع مما يلغي وظيفة المئذنة كعلامة بصرية مميزة ويجب العمل على إعادة إظهارها كعنصر بصري مهم بالطريق.

المشكلة البصرية الخامسة: فراغات غير مستغلة أرض فضاء كبيرة بجانب مجمع الكعكي التجاري وهذه الأرض إذ لم تستغل الاستغلال الأمثل بصرياً فسوف تكون بمثابة بؤرة تلوث بصري للمنطقة من استخدامها العشوائي كمواقف لانتظار السيارات أو أي استخدامات أخرى غير منتظرة.

المشكلة البصرية السادسة: هناك طرق عرضية غير مستغلة وتربط طريق قباء الطالع والنازل، والمنطقة بها تمركز في الأنشطة التجارية مما يعطي فرص إعادة استغلال هذه الطرق العرضية ليس فقط للربط بين طريق قباء الطالع والنازل للسيارات ولكن كممرات للمشاة (محاور تجارية) أيضاً لإضفاء الخصوصية على المنطقة.

المشكلة البصرية السابعة:تداخل حركة المشاة والسيارات. هناك أجزاء من طريق قباء تزداد فيها الكثافة للاستخدامات التجارية بها مع قلة عروض الأرصفة مما يؤدي لتداخل حركة المشاة والسيارات، ويسبب خطورة على المشاة عامة،مما يتطلب العمل على إيجاد الحلول لها مع مراعاة النواحي البصرية.

المشكلة البصرية الثامنة: توقيع الطريق الدائري الأول تتجسد المشكلة الأولى في اختراق الطريق الدائري الأول لطريق قباء، وذلك طبقاً للمخطط المقترح عن طريق كوبري علوي ،مما يتطلب إعادة الدراسة البصرية لمدخل قباء لتأكيد محورية هذا الطريق الهام الذي ينتهي بمسجد قباء.



طريق عمر بن الخطاب

طريق عمر بن الخطاب من المحاور الهامة بالمدينة المنورة، وأيضاً يعتبر من أٍقدم الطرق بها، ويعتبر ذا أهمية دينية وإدارية وتاريخية وسياحية كبيرة حيث ويقع المسجد النبوي الشريف في أوله من ناحية الشرق ويقع مسجد الميقات في آخره من ناحية الغرب، ومن الناحية الإدارية يقع عليه إمارة منطقة المدينة المنورة وأيضاً أمانة المدينة المنورة. أما من الناحية التاريخية والسياحية فتقع عليه محطة سكة حديد الحجاز وأيضاً مسجد العنبرية والمنطقة محل الدراسة تبدأ عند تقاطعه مع الطريق الدائري الأول في الشرق وحتي قصر عروة غرباً حيث يطل عليه من ناحية الشمال حي السيح وحي العنابس وحي القبلتين ويطل عليه من ناحية الجنوب حي السقيا وحي الأصيفيرين وحي الوبرة، وذلك بطول 3000 متر. ويبلغ متوسط عرض المحور في هذه المنطقة حوالي 28 متراً.

يعتبر طريق عمر بن الخطاب من المحاور الرئىسة التي تحتاج إلي معالجات بصرية متكاملة تتناسب وأهمية المحور التاريخية والدينية، وقد أظهر التحليل العام للمحور مجموعة من المشاكل البصرية،وكذلك الإمكانات الواقعية التي يمكن من خلالها الارتقاء بمستوى الطريق بصرياً.ونورد فيما يلي بعضاً منها:

ـ وجود مناطق عشوائية متداعية تمثل نقطة وبؤرة تلوث بصري تحتل موقعاً هاماً بصرياً عند مدخل طريق عمر بن الخطاب وتقع أمام مبنى الإمارة الجديد مباشرة، وتتراوح ارتفاعات المباني لتلك المنطقة من دورين إلى ثلاثة أدوار.

ـ يعد ميدان العنبرية من أهم الميادين المميزة بصرياً لوجود مسجد العنبرية الذي يتميز بطراز معماري فريد،ولكن عناصر التشجير المحيطة بالمسجد تحتاج إلى إعادة تنسيق لإظهار المسجد بشكل واضح ، كونه بؤرة محورية للمشاهد.كذلك يعد نقطة دخول لأماكن هامة كمبنى الإمارة الجديد ومتحف السكة الحديد. لذا يجب أيضاِ أن تحل حركة المرور حول الميدان بشكل جيد يلائم أهمية هذا الميدان.

ـ أرض السكة الحديد تحتل مسطحاً كبيراً ولها واجهة طويلة تمتد حوالي 900م تطل على الطريق مباشرة وتعد إحدى العلامات المميزة للطريق ولكنها ضعيفة بصرياً وذلك لقلة ارتفاع السور وفقره المعماري، إضافة إلى طوله الذي يعطي الإحساس بالملل والرتابة ولونه القائم الذي يعطي إحساساً بالجمود. لذا يجب معالجة هذا السور معمارياً كي يكون نقطة قوة بصرياً على الطريق.

ـ المباني الخلفية الملاصقة لسور السكة الحديد تظهر بوضوح من على الطريق،ولكنها تتعارض مع القيمة البصرية والثقافية لمباني السكة الحديد وتعطي إحساساً بالتشويش البصري. لذا يقترح معالجة واجهات المباني أو إخفاؤها.

ـ سوء وتداعي مباني محطات البنزين المطلة على الطريق مباشرة تقلل من قيمة الطريق وتضعفه بصرياً وتعتبر بؤرة تلوث مشوشة لإمكانية إدراك المباني الهامة الموجودة. لذا يجب معالجتها أو تغيير استعمالها.

ـ وجود مجموعة من المباني على جانب الطريق يعوق من رؤية مبنى الأمانة والإمارة بوضوح ويسبب تشويشاً بصرياً وضعفاً شديداً في إدراك المباني الهامة، نتيجة وقوع هذه المباني في محور رؤية مفتوحة (بانوراما) للمباني المميزة. إضافة إلى أن سوء الحالة المعمارية بشكل عام لها يقلل من قيمة الطريق وأهميته كأحد الطرق المحورية المؤدية للحرم النبوي الشريف. لذا يجب إزالة تلك المباني وإعادة تنسيق المنطقة

من جديد.

ـ إحدى مناطق فضاء صحراوية على جانبي الطريق بعد الدوار تحتل مسطحاً كبيراً تعطي إحساساً بانتهاء الطريق والإنتقال إلى مرحلة أخرى من المشاهد والمناطق. وهي تحد إمكانية نظراً لوجود تباين واضح بين المنطقتين (ما بعد الدوار وما قبل الدوار)، لذا يجب استغلال وجود الأراضي الفضاء وتصميمها، لتكون مرحلة انتقالية للتتابع البصري على الطريق.

ـ سور مصنع الزخارف والجبس يمتد بمسافة كبيرة علي الطريق، ويعتبر إحدى المناطق السيئة بصرياً نظراً لتدهور حالة السور. لذا فيقترح إزالته وإعادة تصميمه أو تطوير السور القائم لإخفاء المباني الداخلية للمصنع.

مجـلــة البـنـــاء