|
عمارة اليوم لتعليم الغد
المدينة التعليمية في
دولة قطر
تطوير الموقع العام: أراتا
ايزوزاكي
المدن الجامعية ليست المباني فقط
فهذا ما نراه منها بأبصارنا، ولكنها تلك المدن التي تصنع شبكة من المعارف
تقتحم عقولنا وتعيد صياغتها من جديد،فهي تراكيب ذهنية قبل أن تكون بصرية
وهذا ما يجعلها أكثر إرتباطاً بأسألتنا الجوهرية حول العالم.. فهي مصدر
للمعرفة وفي نفس الوقت تمثل عناصر بصرية وفراغية تشعل حواسنا وتجعلنا نحاول
ربط الأسئلة الفكرية برغباتنا الجمالية... هذه الأسئلة هي جزء من سعينا
الدائم كي يتوافق العقل والبصر والقلب فعند رؤيتنا لهذه المعاقل العلمية
نشعر بهذا الإختلاط بين الجوارح والأحاسيس.. إختلاط يهزنا من الداخل ويجعلنا
في حالة حماس وإستمتاع لا تعرف لها سبب، هذه التشكيلات تثير مسألة المعرفة
لدينا وتدفعنا إلي البحث فيها، كونها جزء من هذه
المعرفة العامة ومعرفة العمارة وأسرارها بشكل خاص، فنحن نشعر بحميمية
نحوها وكأننا سكناها منذ ولادتنا، فهي تفجر فينا ينابيع العاطفة..عاطفة
العلم لا عاطفة الذاكرة..، المدينة التعليمية الجديدة التي نتحدث عنها تمثل
قلعة معرفة متطورة في قطرقد أجبرتنا علي الوقوف طويلاً والتفكير كثيراً
فيما يمكن أن تقدمه للمنطقة من إنطلاقة علمية جديدة نرغب فيها ونتطلع لها..
علي أن الأمر الذي شدنا أكثر هو توافق الرؤية الفلسفية التعليمية مع
العمارة وما تطلقه من رسائل بصرية مبهرة.. فهي مدينة للعلم والعمارة في آن
واحد.

عندما زرنا المدينة التعليمية في
دولة قطر أصبنا بالدهشة، كون هذه المدينة الحديثة تخرج عن كل ماهو معروف في
المنطقة، ليس من الناحية العمرانية فقط، بل من ناحية فلسفة التعليم. فهي
مدينة من «خارج الحدود» تعيش داخل الدوحة. ولأننا نؤمن أن فلسفة التعليم
ذاتها ليست لها حدود، ولا تعترف بالحواجز الجغرافية، وأن هذه الفلسفة لابد
أن تنعكس بعمق على المبنى التعليمي، فقد حاولنا هنا أن نتتبع هذا الانعكاس،
وكيف ظهر المنتج العمراني في هذه المدينة الحديثة . فقد كنا على قناعة أن
هذه العمارة لابد أن تكون جريئة ومثيرة كجرأة الفكرة نفسها وإثارتها. تتحدث
الشيخة موزة ( حرم أمير دولة قطر ) في حفل توقيع مؤسسة المدينة
التعليميةالاتفاق مع كلية ( ويل كورنيل) للطب عام 2001 م عن رؤيتها الفكرية
حول التعليم بقولها «المشاركة في المعرفة والأفكار والقيم هي أنبل طريقة
لتجاوز الحدود. ومن خلال هذا المفهوم نستطيع أن نرى العولمة كالمعماري الذي
يبني الجسور الأكاديمية عبر الحدود الثقافية والجغرافية». ويبدو أن هذه
الرؤية شكلت منهجاً فكرياً وعملياً لمؤسسة قطر للتعليم . ففلسفة التعليم
هنا تجاوزت كل الحدود الجغرافية، وعبرت عن مفهوم «العولمة» بكل ماتعنيه
الكلمة من معنى. فالمدينة التعليمية مجموعة من الكليات الأمريكية المتفردة
التي تعاقدت معها مؤسسات قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع كي تفتح لها
فروع في دولة قطر . منها على سبيل المثال كلية (فرجينيا كومنولث) التي تقدم
برنامجاً للتصميم الداخلي والفنون الجميلة، وكلية (ويل كورنيل) للطب، وكلية
(تكساس آي أند أم ) للهندسة . والفكرة هنا تعتمد على الأخذ من كل جامعة
أمريكية المتميز من كلياتها، بدلاً من التعاقد مع جامعة واحدة لفتح فرع لها
في قطر. ويبدو أن الفكرة مغرية جداً، كون ذلك يثير مسألة مهمة في تطوير أي
عمارة لتلك الكليات. فالسؤال هنا : هل تبنى المدينة التعليمية برمتها لتعبر
عن «مؤسسة قطر للتربية» وشخصيتها الفكرية التي تعكس الروح الجديدة للمجتمع
القطري في القرن الواحد والعشرين، أم أنها يجب أن تعبر عن جميع هذه الكليات
المختلفة الرؤى ؟ ويبدو لنا ـ من خلال قراءة المخطط العام للمدينة ـ أن
هناك رؤية متوازنة تجمع بين الفكرتين تظهر بوضوح. فالموقع الذي ازدادت مساحته من (298.625 م2) عام 2001 م إلى(1.500.000 م2) عام 2004م2 يتشكل من عدة مناطق
تتكون من قلب المدينة الجامعية القائم حالياً، ومن منطقتين للتمدد
المستقبلي، بالإضافة لحديقة للعلوم والتقنية، وهي منطقة استثمارية لجذب
الشركات العملاقة لعقد شراكات مع الكليات لعمل بحوث لصالح هذه الشركات، وهو
توجه بدأ يتصاعد بشدة في أغلب الجامعات المعروفة في العالم. بالإضافة
لمنطقة المستشفى، وقاعة المؤتمرات والمنطقة الرياضية والترفيهية ،والمنطقة
التجارية، ومنطقة الجولف وإسطبلات الشغب، ومنطقتين سكنيتين إحداهما منفصلة
عن المدينة التقليدية. كما يوجد بعض المباني والمواقع التاريخية التي سيتم
المحافظة عليها. وقد قام بتطوير الموقع العام للمدينة المعماري الياباني
المعروف( أراتا ايزوزاكي ) الذي قام كذلك بتصميم مبنى كلية الطب (ويل
كورنيل)، ومبنى كلية الفنون الحرة والعلوم (التي تستخدم حالياً من قبل كلية
تكساس آي أند أم )، وبعض المباني الأخرى المهمة مثل المقر الدائم لمؤسسة
قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع والمكتبة المركزية. ويبدو أن إشكالية
التعبير عن هوية مؤسسة قطر والكليات المتعددة في المدينة التعليمية انعكست
على الأسلوب الذي حاول به ( ايزوزاكي) تخطيط المدينة.
|