مجـلــة البـنـــاء

 

 

 

رأي ونقد


ندوة الإسكان الثانية ومسابقة المسكن السعودي الحديث

رؤية نقدية و إقتراحات

المهندس عبد الله علي الثروة

بعد ندوة الإسكان الأولى التي عقدتها الهيئة بالرياض خلال الفترة 15-17 محرم 1422هـ تم عقد الندوة الثانية من 7- 10 صفر 1425هـ الموافق 28-31 مارس 2004م في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض والتي صاحبتها المسابقة العالمية لتصميم المسكن السعودي الحديث (التيسير والاستدامة).

كان الهدف الرئيس من ندوة الاسكان الثانية هو مناقشة العوامل العمرانية والمعمارية والهندسية المساهمة في تيسير توفير المساكن، وتقديم نماذج سكنية تلبي احتياجات السكان الوظيفية ،ومتطلباتهم الاجتماعية ،وتتفاعل ايجابياً مع المؤثرات والعوامل المناخية، وتستفيد من تقنيات ومواد البناء المتوفرة (المعاصرة) ،وتساهم كذلك في ترشيد استهلاك الطاقة والمياه،وتعمل على خفض تكاليف الصيانة والتشغيل،وأن تكون تكلفتها ضمن المقدرة المالية للأسرة السعودية.

وكانت اهم محاور الندوة:

سياسات الإسكان وتقنيات البناء.

دور التخطيط العمراني والتصميم في توفير المسكن.

إن الحصول على المسكن الملائم يستهلك جزءاً كبيراً من دخل الأسرة ، يصل إلى ما يعادل 40% ،بينما المتعارف عليه هو 20-25% من دخل الأسرة ويجب ألا يتجاوز قيمة المسكن 75 ضعفاً من متوسط الدخل الشهري. ولهذا أًصبح تخفيض تكاليف الحصول عليه هدفاً استراتيجياً لإنجاح عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولكن في البداية لا بد لنا من معرفة وتطبيق مفهوم التيسير والاستدامة في توفير المساكن، لأن حجم الطلب عليها سيزداد بنسب أكبر في السنوات القادمة. وبما أنه قد يبلغ في مدينة الرياض 30- 40 ألف وحدة سكنية سنوياً ،فإن معدل تكون الأسرة الجديدة سيزداد بشكل كبير ،لأن غالبية السكان السعوديين من الفئات الشابة . هذا بالإضافة إلى نقطة هامة جداً هي أن مواصفات المسكن السعودي المعاصر، من حيث النوع والحجم وتقنيات البناء والمواد المستخدمة تجعل تكلفة امتلاكه تفوق المقدرة المالية لكثير من الأسر.

اتاحت هذه الندوة الفرصة لمناقشة بعض السبل التي تؤدي إلى توفير المساكن الميسرة والمستدامة، وبشكل خاص في مدينة الرياض كبديل مستقبلي يوفق بين احتياجات الأسر وإمكاناتهم المادية. ونوقشت عدة موضوعات تهدف إلى تسهيل تملك المسكن وإتاحته لشريحة كبيرة من السكان والتي تحتاج لكثير من التفعيل بمشاركة حقيقية ومخلصة من القطاعين الحكومي والخاص.وأظهرت التوصيات بعض الجوانب المهمة التي يجب العمل على دراستها وتطبيقها، ومنها إنشاء هيئة للإسكان وتطوير أنظمة التمويل العقاري، وذلك بتنوع الهيئات التي تقوم بالتمويل، سواء الحكومي

أو شبه الخاص أو الخاص، وأيضاً دراسة إمكانية الاستفادة من تطبيق الزكاة ، والاستفادة من الوقف في التمويل، والحد من المضاربات على الأراضي غير المطورة للحد من ارتفاع الأسعار لتسهيل حصول المواطنين على الأراضي ،ودراسة تقسيمات الأراضي حتى تكون أصغر حجماً لتسهم في توفير الأراضي ، مع وضع أنظمة تطوير الأحياء القديمة.

خلاصة

وقد شاب الجلسات بعض الخلل تمثل في كثرة أوراق العمل غير المركزة والتنظيم الزمني واختيار موضوعات الأوراق، ومحدودية الوقت المتاح للمناقشة لإثراء المعرفة. لهذا فقد رأيت أنه من الممكن الخروج بالنقاط التالية والتي بلا شك تحتاج إلى دعم وتضحيات ،سواء كانت من القطاع العام أو القطاع الخاص:

إنشاء هيئة عليا للإسكان :

ـ لإعداد الخطط الاستراتيجية طويلة المدى.

ـ الدراسات السكانية.

ـ الاستفادة من الزكاة والوقف.

تطوير أنظمة الاستثمار العقاري:

- تعريف التطوير المتكامل.

- تسهيل إجراءات التطوير المتكاملة.

- ايجاد حوافز للتطوير العقاري.

- وضع معايير تفصيلية للتطوير المتكامل.

تطوير أنظمة التمويل العقاري:

- تنويع القطاعات والهيئات التمويلية.

- تعريف لمفهوم الاسكان الميسر.

- دراسات حول التحكم بأسعار الأراضي.

مراجعة أنظمة تقسيمات الأراضي:

- توفير أراض سكنية صغيرة.

- توفير منح سكنية مخدومة.

- اعادة تطوير الأحياء السكنية القديمة.

مراجعة أنظمة البناء:

- استغلال أكبر ما يمكن من المساحة.

- اعادة النظر في الارتفاعات وعدد الأدوار.

توعية المواطنين:

- تغيير النظرة إلى حجم الأرض.

- تغيير النظرة لحجم المسكن.

- أهمية الخدمات الهندسية المتكاملة .

- المحافظة على أحيائهم.

- النظرة إلى تكاليف التشغيل.

إيجاد مراكز للبحوث:

- الحد من ظاهرة التنفيذ الانفرداي.

- تطوير تقنية البناء وتوفير المرافق.

- توفير المعلومات الدقيقة عن أنظمة ومواد الانشاء.

- توفير المعلومات عن الإسكان

- تطبيق مفهوم التقييس وإنتاج عناصر معيارية.

مسابقة المسكن

أما ما يخص ندوة المسابقة العالمية لتصميم المسكن السعودي الحديث تحت شعار «التيسير والاستدامة»، والتي طرحت للتنافس بين المختصين على مستوى العالم فقد هدفت إلى تقديم اقتراحات لتصميم مسكن خاص تنفرد به أسرة سعودية واحدة مؤلفة من سبعة أشخاص، مع مراعاة مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والبيئية ،وكذلك الخصوصية للمجتمع السعودي.

وكان هدف الهيئة من هذه المسابقة هو الارتقاء بالثقافة المعمارية ليس على مستوى المعماريين فقط،وإنما على مستوي المطورين العقاريين والمعنيين بصناعة البناء. هذا بالإضافة إلى السكان ، كون وعيهم الثقافي هو المحرك الرئىس لصناعة المساكن.

وضعت اللجنة المشرفة على المسابقة في الهيئة عدة اعتبارات من الضروري أن تتوفر في التصميم المقدم للمسكن السعودي كما تسميه ومنها:

يجب أن يفي هذا المسكن ـ من الناحية المعمارية والوظيفية ـ باحتياجات الأسرة وتطلعاتها،وأن يكون متوافقاً مع البيئة المحيطة،ومتفاعلاً مع المتغيرات المناخية، وأن يعبر عن هوية المجتمع والمكان،أن تكون تكلفته ضمن المقدرة المالية للأسرة

وهذا يقتضي تقديم أفكار معمارية أصيلة تحترم القيم الاجتماعية والمعمارية التقليدية واحتياجات الاسر، وفي نفس الوقت إفساح المجال للتقنيات والتطبيقات الحديثة.

فأعد البرنامج الفراغي والوظيفي من قبل القائمين على المسابقة ليوفر المقترح احتياجات أسرة سعودية تتكون من سبعة أشخاص، ويوفر الاحتياجات الفراغية للمستخدمين.

وقد ترك للمتسابق تحديد مساحات الفراغات المختلفة،مع مراعاة امكانية نمو المسكن ومرونة استخدام الفراغات ، على ألا تزيد المساحة المبنية عن 60% من مساحة الأرض، وألا يتعدى الحد الأٍقصى لإجمالي المساحات المبنية 260 متراً مربعاً، علماً بأن عدد الطوابق المسموح بها أرضي وأول + 39 متراً مربعاً على السطح (كحد أقصي)،كما يجب توضيح التوسعة المستقبلية.

وقد حددت بعض الاعتبارات التعامل مع الموقع العام وأنظمة البناء:بحيث يبلغ الحد الأقصى المسموح به لتغطية الأرض 60% .وألا يزيد معامل مساحة الأدوار عن 12م. وأن يكون عدد الأدوار المسموح بها أرضي وأول ويمكن استخدام جزء من السطح لا تزيد مساحته عن 20%. أما الارتداد من جهة الشارع لا يقل عن خمس عرض الشارع. كما يجب مراعاة خصوصية الجيران،وعدم كشف حركة الجوار في حالة استخدام فتحات أو نوافذ.

تلقت اللجنة المشرفة على المسابقة بالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أكثر من 1300 طلب مشاركة في المسابقة للمسكن السعودي الحديث من 61 دولة من دول العالم ،ومن مختلف الهيئات والجامعات الهندسية والاستشارية، بما فيها طلبة كلية الهندسة والمعمارية.

ولكن عدد المشاريع التي قدمت هي 178 مشروعاً منها 115 محترفاً ،شكلت المكاتب السعودية 32 مكتباً و63 طالباً شكل الطلبة السعوديون 18 طالباً والدول 26 دولة.

بعد اجتماع لجنة التحكيم قررت وضع بعض المعايير لتقويم المشاريع وهي:

الرفع من جودة المسكن مع خفض تكلفته،وتحقيق مبدأ الاستدامة.

الإبداع في التصميم مع جودة العلاقة بين التوزيع الفراغي وحسن استغلال الفراغات الداخلية والخارجية.

توفير الاحتياجات الوظيفية التقليدية للأسرة، مع الأخذ بجوانب التقنية الحديثة.

ملاءمة المسكن لمتطلبات البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية.

تعبير المسكن عن البيئة الثقافية والهوية العمرانية للمجتمع.

الاستخدام المبدع لمواد البناء وطرق التشييد ،وأنظمة التحكم والطاقة التي تتناسب مع الإمكانات التقنية المتوافرة.

خلاصة

أولاً كل الشكر والتقدير لكل من ساهم في إخراج الندوة والمسابقة المعمارية بهذا الشكل، ولكن مع احترامي وتقديري للهدف السامي للهيئة العليا لتطوير الرياض، ولأعضاء اللجنة الفنية فإن أسلوب طرح المسابقة ونتائج التحكيم أدى إلى الإنحراف عن الهدف الاساسي من المسابقة وهو تحديث المسكن السعودي وتطويره في اتجاه التيسير، أى تقليل التكلفة مع المحافظة علي المعايير والأسس المذكورة إلى النقيض وهو المسكن غير الممكن والمرفه.

فبعد دراسة جميع المشاريع المقدمة سواء كانت من فئة المحترفين أو الطلاب نجد أنه كانت هناك مشاريع تم اخراجها من قبل مكاتب أو طلبة سعوديين، وتستحق أن تكون من ضمن المراكز المتقدمة أو على الأقل تمنح شهادات تقدير ،هذا من ناحية.ومن الناحية الأخرى فقد يفهم من عدم فوز أي معماري سعودي في هذه المراكز عدم توفير الكفاءات المؤهلة والقادرة على فهم حقيقة الاحتياجات الفيزيولوجية والنفسية الأساسية للسكان، أو التمشي مع التطوير في أساليب ومواد البناء وهذا غير صحيح تماماً.

أثيرت كثير من الملاحظات على الفائز الأول والثاني من فئة المحترفين ،منها أولا مخالفتهما المعايير الأساسية للمسابقة، وكان يجب استبعادهما من المسابقة قبل كل شيء. هذا بالإضافة إلى وجود بعض الملاحظات الفنية والبيئية على مشاريعهما،وقد لا يستحقون إلا شهادات شكر على الأكثر.

لقد صدمنا جميعاً ـ ما عدا غالبية أعضاء اللجنة ـ بنتائج المسابقة الكارثية التي إن دلت نتائجها على شيء فإنما على عدم قدرة غالبيتهم على فهم أبعاد المسابقة والنظرة السطحية لكثير من المشاريع المقدمة كما أثبت عدم وجود أي فائز من المحترفين أو الطلاب السعوديين أن جامعاتنا قد خلت من المعماريين الذين يستطيعون تصميم منزل لعائلة سعودية.

وأخيراً وليس آخراً أين مشاركة الجهة المعنية والمستفيدة (المواطن) في وضع شروط ومعايير هذا المشروع وفي التحكيم ،وأين المتخصصون في هذا الوطن في مجال الإسكان الميسر بين أعضاء اللجنة القادرون على تحكيم هذه المسابقة بصورة أفضل مما جاءت عليه هذه النتائج.

 

مجـلــة البـنـــاء