مجـلــة البـنـــاء

 

 

 

 

كتب جديدة


تأليف

ألبير ديفولكس ( ت 1876)

المترجمان

مصطفى بن حموش

بدر الدين بلقاضي

الناشر

المجمع الثقافي ـ أبوظبي ، 2004م

 

 

وقد قدمت اللجنة المؤلف لكونه محافظ الأرشيف العربي لإدارة الدومين بالجزائر . أما المخطوط الأصلي فيبلغ حجمه 570 صفحة من قياس A3 ، ويضم مجموع 217 شكلاً مابين الصور والأشكال والرسومات والمخططات. وقد قدم الكتاب بعنوان مختصر هو تاريخ (مدينة ) الجزائر، أو  Histoire dصAlger وأنه في الأساس بحث أركيولوجي يتعلق بنشأة وتطور مدينة الجزائر منذ أول عصورها إلى سنة 1830م . وقد اتبع ديفولكس طريقة ديلور نفسها ، مؤلف كتاب «تاريخ باريس»، ونشر أغلب محتوى هذا الكتاب في المجلة الأفريقية بتسلسل . لكنه لم يبلغ نهايته. ويبدو أن وفاة المؤلف كانت السبب في عدم نشر الجزء الباقي الذي يتجاوز نصف حجم الكتاب ، فقد بقيت الأبواب والفصول المتعلقة بالشوارع والمباني العامة دون نشر.

ويتألف المخطوط من ثلاثة أجزاء رئيسة : فالجزء الأول المسمى «أيكوزيوم» يتعلق بمرحلة نشأة المدينة الرومانية، التي تمتد إلى القرن الخامس الميلادي، وهي دراسة أركيولوجية بحتة.أما الجزء الثاني،فيحمل عنوان : جزائر بني مرغني ، ويتعلق بالفترة التي كانت فيها المدينة تحت سلطة الحكام البربر. فبعد أن اندثرت المدينة وهجرت مابين القرنين السابع والعاشر الميلاديين عادت إلى مسرح التاريخ على يد بولوغين بن زيري بن مناد سنة 950 م الذي أعاد تأسيسها بإذن من الحاكم الفاطمي . وتمتد هذه الحقبة مابين التاريخ المذكور ووصول العثمانيين سنة 1516 . أما الجزء الثالث فيتعلق بتاريخ الجزائر العثمانية ، وهو الأضخم حجماً لما يحمله من تفاصيل أكثر عدداً ،مستقاة من الوثائق المستعملة ،والآثار الميدانية القائمة آنذاك. وقد نال المخطوط رضا أعضاء اللجنة،لأنه الأكمل والأكثر أهمية تاريخية وعلمية. ولذلك فقد فاز ديفولكس بهذا الإنتاج العلمي بجائزة الألف فرنك التي منحتها له اللجنة بالإجماع. ويؤكد المترجمان أنهما لم يكتفيا بالترجمة فقط، بل قاما بمقابلة نص المخطوط بالجزء المنشور في المجلة الذي لايختلف عنه كلياً، وذلك من خلال إعادة كتابة نص المخطوط الفرنسي كما هو من خلال سحب من ميكروفيلم. وقد تميزت كتابة المخطوط بأنها يدوية مائلة، وبلونها الأصفر الفاتح، وبوجود التشطيبات فيها، مما صعب من عملية قراءتها، وترجمة المخطوط إلى اللغة العربية وإعادة ترتيب الفصول والأبواب إلى جزأين رئيسين هما : التاريخ العام ، والوصف التفصيلي للشوارع والمناطق . التحقيق في مادة الكتاب بما توفر لديهما من مراجع ،خاصة وثائق الأرشيف العثماني، ثم الكتب العربية المعتمدة أو المخطوطات المحققة.

  

ولما كان أغلب مادة الكتاب تتعلق بالشوارع، فقد قاما بالتحقيق في القائمة الكاملة لأسماء الشوارع، وذلك بمقارنتها بقائمة كتاب كلاين المرتبة على الحروف الأبجدية. إضافة إلى وضع فهارس باسم الشوارع والمناطق والأعلام، وقائمة العيون بمدينة الجزائر في العهد العثماني. ووضع قائمة بالمصطلحات المحلية والأعجمية الواردة في الكتاب. كما قاما بإعداد خريطة المدينة من خلال الوصف الموجود في الكتاب وإرفاقها بكل فصل من فصوله. والحقيقة أن هذا السفر القيم يثير عديداً من الأسئلة حول تاريخ المدينة العربية المهمل؛ لأنه حتى هذه اللحظة لم تتطور دراسات أكاديمية يمكن الاعتماد عليها للكشف عن أسرار المدينة العربية ، مع أنها كل يوم تفقد جزءً أصيلاً من جسمها وتاريخها . ولعل هذا العمل الهام يثير البعض كي يسارعوا لحفظ ما يمكن حفظه من تاريخ المدينة العربية.

 

قراءة في تاريخ المدينة العربية

خطط مدينة الجزائر

يندر أن نجد دراسة عن مدينة عربية بكل هذه التفاصيل، خصوصاً إذا كانت هذه الدراسة قد كتبت في الوقت التي كانت فيها هذه المدينة العربية في أوجها. هذا الكتاب الذي نقله للعربية عن الفرنسية الدكتور مصطفى بن حموش ( من جامعة البحرين)،والمهندس بدر الدين بلقاضي (يعمل في دولة الإمارات) هو أصلاً مخطوط كتبه ألبير ديفولكس (ت 1876) واستعان فيه بكل المصادر المحلية . لذلك فهو كتاب قيم يستحق القراءة والاقتناء. يفتتح المترجمان الكتاب بقولهما إن الحاجة إلى المنهج التفصيلي لايقل أهمية علمية عن المنهج الشمولي الخلدوني. فهو الذي يزودنا بالمادة العلمية الضرورية للبحث العلمي المتعلق بتاريخ العمران البشري والآثار. ومن جهة أخرى فقد تعرضت معظم المدن العربية والإسلامية الكبرى إلى كتابات الرحالة والمؤرخين والجغرافيين ، وخلدت في مؤلفات خاصة بها، وهكذا. فقد انفرد الخطيب البغدادي بوصف بغداد في كتابه عن تاريخ بغداد ، ووصف المقريزي خطط مصر والقاهرة ، وتبع خطاه في ذلك علي باشا مبارك في وصف خطط القاهرة الحديثة ، ووصف السمهودي دار المصطفى أو المدينة المنورة منذ نشأتها، وجاء كتاب آخر في وصف خطط دمشق والشام. ولذلك فإن الكتاب الذي بين أيدينا عن تاريخ مدينة الجزائر لايعدو أن يكون نموذجاً آخر من هذا الصنف؛ ولذلك فإنه يصح أن يطلق عليه عنوان : خطط مدينة الجزائر ؛ لأنه استمرار لهذا التقليد العلمي الذي أسسه المسلمون الأوائل. وقد كتب المخطط الأصلي بأياد أجنبية كانت تتميز على العموم بالحرص العلمي والتدقيق، وروح الاكتشاف. فقد سخر المؤلف جميع ما لديه من طاقة وصلاحيات إدارية لتقديم مادة علمية متكاملة ونادرة، إذ وضع يده على عدد هائل من الوثائق، واستعان بمثقفين من أهل البلد لفهم محتواها. وقد ترجم كثيراً من هذه الوثائق، ووثق معلومات محلية شفهية كانت متداولة لدى السكان.

لكن ما نأسف له هو تلك الأحكام العمياء المتعصبة التي كان يطلقها من حين إلى آخر على البلد وشعبه،وعلى الدين الإسلامي وحضارته، والتي تحد من موضوعيته وحياده العلمي. وتتمثل القيمة العلمية لهذا الكتاب في ضياع كثير من تلك الوثائق التي رجع إليها المؤلف من جهة، وفي اندثار كثير من ملامح المدينة منذ ذلك الزمن، سواء بفعل التخريب والهدم المستمرين منذ حقبة الاحتلال، وفي أثناء حرب التحرير، أو بعد الاستقلال. وتزداد قيمة الكتاب العلمية بسبب قلة البحوث في موضوع تاريخ مدينة الجزائر ، سواء في القديم أو الحديث، وندرة الأعمال الموثقة حولها . فالمكتبة العربية قليلة البضاعة إلا من كتب مجزأة أو عامة. أما الكتب الأجنبية فمعظمها اهتم بالأحداث التاريخية والسياسية، ولم يتعرض للتفاصيل التخطيطية،مثلما هو حال هذا المخطط، باستثناء كتابي هنري كلاين وروني لسبس، وبعض المقالات. فالباحث عن تاريخ مدينة الجزائر لايجد كتاباً غير هذا الذي بين أيدينا يصف لنا شوارع المدينة ، ومحلاتها، وساحاتها، وأسواقها ، ومساجدها، ومبانيها بالدقة المطلوبة من المعماريين والمخططين والآثاريين.ويؤكد المترجمان أنهما بذلا الجهد المستطاع في ترجمته وتهذيبه ليليق بالقارئ العربي العام، أو بالمتخصصين في كل من: مجالات جغرافيا المدن ، والدراسات الأثرية ، وتاريخ العمارة والعمران. فقد كان الحافز لهما للقيام بهذا العمل هو أن الكتاب ـ بما يحويه من مادة موثوقة ـ يعتبر قطعة من تاريخ الجزائر التي تعاني فقدان ذاكرتها وإهمال أهلها للمعارف التاريخية ، خاصة أنها ذاقت خلال مايزيد عن قرن من الزمان طمساً للشواهد، وتجهيلاً للعقول ، وتكريساً لثقافة الغرب. وذلك كله بهدف فصلها عن العالم العربي الإسلامي. ومن هذا المنظور فقد تعرضت مدينة الجزائر إلى تخريب معنوي ومادي هائلين منذ أول أيام الاحتلال الفرنسي، وهو مايشهد به ويأسف له صاحب هذا المخطوط، وهنري كلاين وغيرهما. وقد أورد أندريه ريمون أشكال الهدم والتخريب التي حدثت خلال السنتين الأوليين لاحتلال المدينة في القصبة السفلى.

وفي إطار سياسة تغيير هوية المدينة هذه، تدخل كذلك عملية إعادة تسمية الشوارع بأسماء غربية، أو تحريفها لتناسب النطق الأفرنجي. فتفحص قائمة هذه الأسماء يدفعنا إلى الاعتقاد بأن كثيراً منها يعكس بعداً تاريخياً، وينطوي على روح انتقامية دفينة. فطالما وقفت هذه المدينة في وجه الهجمات الصليبية ، وأذاقت قادة كباراً فقدوا حياتهم أو حياة جنودهم عند أسوارها الهزائم.

إن أصل هذا الكتاب مخطوط تقدم به مؤلفه الفرنسي ديفولكس (Albert Devoulx) لنيل جائزة وضعتها الأكاديمية الجزائرية ( الفرنسية ) بتاريخ 31 / 3 / 1870م، لتشجيع البحوث التاريخية القائمة على دراسة الآثار . وكانت تشرف على منح الجائزة لجنة تتكون من ستة أعضاء رئيسها هو نفسه رئيس اللجنة التاريخية الجزائرية.

مجـلــة البـنـــاء